تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11359

مساهمون:

ص١١٣٥٩
لذلك لما أُتيح لنا الحديث في الأمم المتحدة قلت لهم : آية واحدة في كتاب الله لو عملتم بها لَحَلَّتْ لكم المشاكل الاقتصادية في العالم كله ، يقول تعالى : { والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ } [ الرحمن : 10 ] فالأرض كل الأرض للأنام ، كل الأنام على الإطلاق . واقرأ قوله تعالى في هذه المسألة : { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا . . . } [ النساء : 97 ] إذن : لا تعارض منهج الله وقدره في أحكامه ، ثم تشكو الفساد والضيق والأزمات ، إنك لو استقرأتَ ظواهر الكون لما وجدتَ فساداً أبداً إلا فيما تتناوله يد الإنسان على غير القانون والمنهج الذي وضعه خالق هذا الكون سبحانه ، أما ما لا تتناوله يد الإنسان فتراه منضبطاً لا يختل ولا يتخلف . إذن : المشاكل والأزمات إنما تنشأ حينما نسير في كون الله على غير هدى الله وبغير منهجه ؛ لذلك تسمع مَنْ يقول : العيشة ضَنْك ، فلا يقفز إلى ذهنك عند سماع هذه الكلمة إلا مشكلة الفقر ، لكن الضنك أوسع من ذلك بكثير ، فقد يوجد الغِنَى والترف ورَغَد العيش ، وترى الناس مع ذلك في ضنك شديد . فانظر مثلاً إلى السويد ، وهي من أغنى دول العالم ، ومع ذلك يكثر بها الجنون والشذوذ والعقد النفسية ، ويكثر بها الانتحار نتيجة الضيق الذي يعانونه ، مع أنهم أغنى وأعلى في مستوى دخل الفرد . فالمسألة - إذن - ليست حالة اقتصادية ، إنما مسألة منهج لله تعالى غير مُطلَّق وغير معمول به ، وصدق الله : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى } [ طه : 124 ] . لذلك لو عِشْنا بمنهج الله لوجدنا لذة العيش ولو مع الفقر .