تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10955

مساهمون:

ص١٠٩٥٥
ثم يقول الحق سبحانه : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ . . . } . كلمة { وَصَّلْنَا . . } [ القصص : 51 ] تُشعر بأشياء ، انفصل بعضها عن بعض ، ونريد أنْ نُوصِّلها ، فقوله تعالى { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [ القصص : 51 ] أي : وصَّلنا لهم الرسالات ، فكلما انقضى عهد رسول وكفر الناس أتاهم الله برسالة أخرى ليظلَّ الخَلْق مُتصلِين بهدي الخالق وبمنهجه ، أو : أن الأمر خاصٌّ برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، والمعنى وصَّلنا له الآيات ، فكلما نزل عليه نجم من القرآن وصَّلنا بنجم آخر حسب الأحداث . لذلك كانت هذه المسألة من الشبهات التي أثارها خصوم رسول الله ، حين قالوا كما حكى عنهم القرآن { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً . . . } [ الفرقان : 32 ] فردَّ عليهم القرآن ليبين لهم حكمة نزوله مُنجَّماً : { كَذَلِكَ . . . } [ الفرقان : 32 ] أي : أنزلناه كذلك مُنجَّماً { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } [ الفرقان : 32 ] . فلو نزل القرآن جملة واحدة لكان التثبيت لرسول الله مرة واحدة ، وهو محتاج إلى تثبيت مستمر مع الأحداث التي سيتعرَّض لها ، فيوصل الله له الآيات ليظل على ذَكْر من سماع كلام ربه كلما اشتدتْ به الأحداث ، فيأتيه النجم من القرآن لَيُسلِّيه ، ويُسرِّي عنه ما يلاقي من خصومه . وحكمة أخرى في قوله : { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } [ الفرقان : 32 ] فكلما نزل قِسْط من القرآن سَهُلَ عليهم حفظه وترتيبه والعمل به ، كما أن المؤمنين المأمورين بهذا المنهج ستستجد عليهم قضايا ، وسوف يسألون فيها رسول الله ، فكيف سيكون الجواب عليها إنْ نزل القرآن جملة واحدة .