الكتاب ، وهذا معنى : { فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ . . . } [ القصص : 50 ] .
ثم يقول سبحانه : { وَمَنْ أَضَلُّ . . . } [ القصص : 50 ] يعني لا أضل { مِمَّنِ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله . . . } [ القصص : 50 ] أي : أتبع هوى نفسه ، أما إنْ وافق هواه هوى المشرِّع ، فهذا أمر محمود أوضحه رسول الله في الحديث الشريف : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به » .
فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع ؛ لذلك يقول أحد الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة : اللهم إنِّي أخشى ألاَّ تثيبني على طاعتي ؛ لأنك أمرتنا أنْ نحارب شهوات أنفسنا ، وقد أصبحت أحب الطاعة حتى صارت شهوة عندي .
وأضلُّ الضلال أن يتبع الإنسان هواه ؛ لأن الأهواء متضاربة في الخَلْق تضارب الغايات ، لذلك المتقابلات في الأحداث موجودة في الكون .
وقد عبَّر المتنبي عن هذا التضارب ، فقال :
أَرَى كُلَّنَا يَبْغي الحياةَ لنفسهِ . . . حَرِيصاً عَليها مُسْتهاماً بها صبَّا
فحبُّ الجبانِ النفس أوردَهُ التقى . . . وحُبُّ الشجاع النفسَ أَوردَهُ الحَربَا
فنحن جميعاً نحب الحياة ونحرص عليها ، لكن تختلف وسائلنا ، فالجبان لحبه الحياة يهرب من الحرب ، والشجاع يُلقي بنفسه في معمعتها مع أنه مُحِبٌّ للحياة ، لكنه محب لحياة أخرى أبقى ، هي حياة الشهيد .
تفسير الشعراوي — صفحة 10952
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٥٢