وآخر يقول :
كُلُّ مَنْ في الوُجودِ يطلبُ صَيْداً . . . غير أنَّ الشباك مُختلِفَات
فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه ، لكنه رأى مَنْ هو أحوج منه ، وفيه قال تعالى : { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . } [ الحشر : 9 ] .
نقول : هذا آثر الفقير على نفسه ، لكنه من ناحية أخرى يبغي الأجر ويطمع في عَشْرة أمثال ما أنفق ، بل يطمع في الجنة ، إذن : المسألة فيها نفعية ، فالدين عند المحققين أنانية ، لكنها أنانية رفيعة راقية ، ليست أنانية حمقاء ، الدين يرتقي بصاحبه ، ويجعله إيجابياً نافعاً للآخرين ، ولا عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه .
فالشرع حين يقول لك : لا تسرق . وحين يأمرك بغضِّ بصرك ، وغير ذلك من أوامر الشرع ، فإنما يُقيِّد حريتك وأنت واحد ، لكن يُقيِّد من أجلك حريات الآخرين جميعاً ، فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك ، فإذا نظرت إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تَنْسَ ما أعطاك .
لذلك حين « نتأمل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو يعالج داءات النفوس حينما أتاه شاب من الأعراب الذين آمنوا ، يشتكي إليه ضَعْفه أمام النساء ، وقلة صبره على هذه الشهوة ، حتى قال له : يا رسول الله ائذن لي في الزنا ، ومع ذلك لم ينهره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، بل علم أنه أمام مريض يحتاج إلى مَنْ يعالجه ، ويستل من نفسه هذه الثورة الجامحة ، خاصة وقد صارح رسول الله بما يعاني فكان صادقاً مع نفسه لم يدلس عليها .
لذلك أدناه رسول الله ، وقال له : يا أخا العرب ، أتحب ذلك
تفسير الشعراوي — صفحة 10953
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٥٣