في مُلكه سبحانه شيئاً ، كذلك كُفْر الكافرين لا ينقص من مُلكه سبحانه شيئاً .
إذن : المسألة أنه سبحانه يريد أنْ يبرَّ صنعته ، ويُكرم خَلْقه وعباده ؛ لذلك يستدعيهم إلى حضرته ، وقرَّبنا هذه المسألة بمثل - ولله تعالى المثل الأعلى - ، قلنا : إذا أردتَ أنْ تقابل أحد العظماء ، أو أصحاب المراكز العليا ، فدون هذا اللقاء مشاقّ لا بُدَّ أن تتجشمها .
لا بُدَّ أن يُؤْذَن لك أولاً في اللقاء ، ثم يُحدَّد لك الزمان والمكان ، بل ومدة اللقاء وموضوعه ، وربما الكلمات التي ستقولها ، ثم هو الذي يُنهي اللقاء ، لا أنت .
هذا إنْ أردتَ لقاء الخَلْق ، فما بالك بلقاء الخالق عَزَّ وَجَلَّ ؟ يكفي أنه سبحانه يستدعيك بنفسه إلى حضرته ، ويجعل ذلك فرضاً وحتماً عليك ، ويطلبك قبل أنْ تطلبه ، ويذكرك قبل أن تذكره ، لا مرة واحدة ، إنما خمس مرات في اليوم والليلة ، فإذا لبَّيْتَ طلبه أفاض عليك من رحمته ، ومن نعمه ، ومن تجلياته ، وما بالك بصنعة تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم ، أيصيبها عطب ؟
ثم يترك لك ربك كل تفاصيل هذه المقابلة ، فتختار أنت الزمان والمكان والموضوع ، فإنْ أردتَ أنْ تطيل أمد المقابلة ، فإن ربك لا يملّ حتى تمل ؛ لذلك فإن أهل المعرفة الذين عرفوا لله تعالى قَدْره ، وعرفوا عطاءه ، وعرفوا عاقبة اللجوء إليه سبحانه يقولون :
حَسْبُ نفسِي عِزّاً بأنِّي عَبْدٌ . . . يَحْتَفِي بي بلاَ مَواعيدَ رَبّ
هُوَ في قُدْسِهِ الأعَزِّ ولكن . . . أنا ألقي كيفما وأين أحب
والعبودية كلمة مكروهة عند البشر ؛ لأن العبودية للبشر ذُلٌّ
تفسير الشعراوي — صفحة 11336
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٣٦