فبقانون البشر يصعُب عليك فَهْم هذه المسألة ، وهذا ما فعله كفار مكة حيث قالوا : كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ، وتدَّعي أنك أتيتها في ليلة ؟ فقاسوا المسألة والمسافات على قدرتهم هم ، فاستبعدوا ذلك وكذَّبوه .
ولو تأملوا الآية { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ . . . } [ الإسراء : 1 ] وهم أهل اللغة لَعرفوا أن الإسراء لم يكُنْ بقوة محمد ، فلم يقُلْ أسريتُ ، ولكن قال : « أُسرِي بي » ، فلا دخلَ له في هذه المسألة وقانونه فيها مُلْغى ، إنما أسرى بقانون مَنْ أسرى به .
إذن : عليك أن تُنزه الله عن قوانينك في الزمان وفي المسافة ، وإنْ أردتَ أن تُقرب هذه المسألة للعقل ، فالمسافة تحتاج إلى زمن يتناسب مع الوسيلة هذه المسألة للعقل ، فالمسافة تحتاج إلى زمن يتناسب مع الوسيلة التي ستقطع بها المسافة ، فالذي يسير غير الذي يركب دابةً ، غير الذي يركب سيارة أو طائرة أو صاروخاً وهكذا .
فإذا كان في قوانين البشر : إذا زادت القوة قَلَّ الزمن ، فكيف لو نسَبْتَ القوة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ ؟ عندها نقول : لا زمن فإنْ قُلْتَ : إن ألغينا الزمن مع قوة الله وقدرته تعالى ، فلماذا ذكر الزمن هنا وقُدِّر بليلة ؟
قالوا : لأن الرحلة لم تقتصر على الذهاب والعودة ، إنما تعرَّض فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لَمَراء كثيرة ، وقابل هناك بعض الأنبياء ، وتحدَّث معهم ، فهذه الأحداث لرسول الله هي التي استغرقتْ الزمن ، أمّا الرحلة فلم تستغرق وقتاً .
تفسير الشعراوي — صفحة 11339
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٣٩