تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11327

مساهمون:

ص١١٣٢٧
فالزرع ما تزرعه ثم تحصده مرة واحدة كالقمح مثلاً ، أما الغرس فما تغرسُه ، ويظل فترة طويلة يُدر عليك ، فمحصوله مُتجدِّد كحدائق الفاكهة ، والزرع يكون ببذْر الحبِّ ، أما الغرس فنبتة سبق إعدادها تُغرس . ثم يقول سبحانه : { وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات . . . } [ الروم : 9 ] فبعد أنْ أعطاهم مقوِّمات الحياة وإمكانات المادة وطاقاتها ، وبعد أنْ جَنَوْا ثمارها لم يتركهم للمادة إنما أعطاهم إمكانات القيم والدين ، فأرسل لهم الرسل { بالبينات . . . } [ الروم : 9 ] أي : الآيات الواضحات الدالة على صِدْق الرسول في البلاغ عن ربه وهذه التي نسميها المعجزات . وسبق أنْ ذكرنا أن كلمة الآيات تُطلَق على معانٍ ثلاثة : آيات كونية دالة على قدرة الصانع سبحانه كالشمس والقمر ، وآيات تُؤيِّد الرسل وتُثبت صِدْقهم في البلاغ عن الله وهي المعجزات ، وآيات القرآن التي تحمل الأحكام والمنهج ، وكلها أمور واضحة بينة . وقوله تعالى : { فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ الروم : 9 ] نعم ، ما ظلمهم الله ؛ لأنه سبحانه أمدهم بمقوِّمات الحياة وإمكانات المادة ، ثم أمدهم بمقومات الروح والقيم ، فإنْ حادوا بعد ذلك عن منهجه سبحانه فما ظلموا إلا أنفسهم . ثم نقول : كيف يتأتَّى الظلم من الله تعالى ؟ الظلم يقع نعم من الإنسان لأخيه الإنسان ؛ لأنه يحقد عليه ، ويريد أنْ يتمتع بما في يده ، فالظالم يأخذ حقَّ المظلوم الذي لا قدرةَ له على حماية حقه . فكيف إذن نتصور الظلم من الله - عَزَّ وَجَلَّ - وهو سبحانه مالك كل شيء ، وغني عن كل شيء ؟ إذن : ما ظلمهم الله ، ولكن ظلموا أنفسهم حينما حادوا عن طريق الله ومنهجه .