تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11325

مساهمون:

ص١١٣٢٥
الأحقاف { وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } [ الفجر : 9 - 13 ] . لقد كان لكل هؤلاء حضارات ما زالت حتى الآن تبهر أرقى حضارات اليوم ، فيأتون إليها ليتأملوا ما فيها من أسرار وعجائب ، ومع ذلك لم تستطع هذه الحضارات أنْ تحمي نفسها من الدمار والزوال ، وما استطاعت أنْ تمنع نفسها من عذاب الله حين حَلَّ بها ، إذن : لكم في هؤلاء عِبْرة . وكأن الحق سبحانه في قوله : { أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ . . . } [ الروم : 9 ] يقول لكفار قريش : أنتم يا مشركي قريش أقلّ الأمم ، لا قوةَ لكم ، ولا مال ولا حضارة ولا عمارة ، فمن اليسير علينا أن نأخذكم كما أخذنا مَنْ هم أقوى منكم ، إنما سبق أنْ أخذتم العهد في قوله سبحانه : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [ الأنفال : 33 ] . لذلك يقول بعدها : { كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأرض وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا . . . } [ الروم : 9 ] فالأمم المكذِّبة التي أخذها الله وجعلها لكم عبرة كانت أقوى منكم ، وأخصب أرضاً ، لذلك أثاروا الأرض . أي : حرثوها للزراعة وللإعمار ، وأنتم بواد ذي ذرع ، والحرث يُطلَق على الزرع كما في قوله سبحانه : { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل . . . } [ البقرة : 205 ] . ذلك لأن الأرض لا تنبت النبات الجيد إلا إذا أثارها الفلاح ، وقلَّبها ليتخلل الهواء تربتها ، فتجود عليه وتؤدي مهمتها كما ينبغي ، أما إنْ تركتها هامدة متماسكة التربة والذرات ، فإنها تمسك النبات