ثم أنكر جميلك وكفر به ، فلا تحزن ؛ لأن الناس فعلوا ذلك مع الله - عَزَّ وَجَلَّ - فقد خلقهم ورزقهم ثم كفروا به .
ثم يأتي جزاء الجهاد في ذات الله : { والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا . . . } [ العنكبوت : 69 ] أي : ندلّهم على الطرق الموصِّلة إلينا ، كأن الطريق إلى الله ليس واحداً ، إنما سبل شتى ؛ لذلك لا تحقرنَّ من الطاعة شيئاً مهما كان يسيراً ، فإن الله تعالى غفر لرجل سقى كلباً يلهث من العطش ، ولا تحقرن من المعصية شيئاً ، فإن الله أدخل امرأة النار لأنها حبست قطة ، ولا تحتقرن عبداً مهما كان ، فإن الله تعالى أخفى أسراره في خَلْقه ؛ فرُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه .
فإذا علمتَ من نفسك ميزة على الآخرين فانظر فيم يمتازون به عنك ، ودَعْك من نظرة تُورثك كبراً ، واستعلاء على الخَلْق ، فإنْ كنت أفضل في شيء فأنت مفضول في أشياء كثيرة ، وسبق أن قلنا : إن الله نثر المواهب بين الخَلْق ليظلوا ملتحمين بحاجة بعضهم إلى بعض .
فقوله تعالى { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا . . . } [ العنكبوت : 69 ] أي : السبل الموصِّلة لنعيم الآخرة ، سبل الارتقاء في اليقين الإيماني الذي قال الله عنه : { يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم . . . } [ الحديد : 12 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 11289
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٨٩