لكسب لقمة العيش له ولأولاده ، فهما في السعي سواء ، فما مزية المؤمن إذن ؟
الميزة أن الكافر يعمل على قَدْر حاجته فحسب ، أمّا المؤمن فيعمل على قدر طاقته ، فيأخذ ما يكفيه ويعود بالفضل على مَنْ لا طاقةَ عنده للعمل ، ففي نيته أن يعمل له وللمحتاج غير القادر .
ونمثل لذلك بالبقال الذي فتح الله عليه ، فباع كثيراً في أول النهار وأخذ كفايته ، ثم أغلق محله فلم ينظر إلى الذين يعاملونه على الشهر ، ويأخذون حاجتهم لأجَل ، ولم ينظر إلى ربة البيت التي تنتظر عودة زوجها لتشتري ما يلزمها ، فقد نظر إلى حظ نفسه ، ونسي حظ الآخرين .
واقرأ إنْ شئت قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } [ المؤمنون : 1 - 4 ] ولم يقل مُؤدُّون إنما : فاعلون من أجل الزكاة أي : يعملون على قَدْر طاقتهم ، لا على قدْر حاجتهم . فالذين يعملون في إطار { والذين جَاهَدُواْ فِينَا . . . } [ العنكبوت : 69 ] لا يغيب الله أبداً عن بالهم .
ولكي نفقه هذه المسألة انظر إلى عمل أو جميل قدَّمته لغير وجه الله ترى أن صاحبه أنكره ، بل ربما لا ينالك منه إلا الذمّ ، وساعتها لا تلومنّ إلا نفسك ، لأنك أخطأت التوجه ، وقد عملت للناس فخُذْ أجرك منهم ، إنما إنْ عملتَ لوجه الله فثِقْ أن جميلك محفوظ عند الله وعند الناس .
والحق - سبحانه وتعالى - حينما أعطى للإنسان الاختيار في أن يؤمن أو أنْ يكفر يلفت بهذا أنظارنا أنه إذا صنعتَ جميلاً في إنسان ،
تفسير الشعراوي — صفحة 11288
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٨٨