وعجيب أمر الإنسان إذا نجَّاه الله مما يخاف وكشف عنه الضر عاد مرة أخرى ظالماً لنفسه : { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ . . . } [ يونس : 12 ] .
وفي لقطة أخرى يقول تعالى في هذه المسألة : { وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ . . . } [ الزمر : 8 ] أيُّ ضر { دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ . . . } [ الزمر : 8 ] ويا ليته نسي وسكت إنما { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً . . . } [ الزمر : 8 ] فقال : الفضل لفلان ، وقد استغثت بفلان ، ولجأت إلى فلان .
نلحظ أن الكلام في هذه الآيات عن الإنسان المفرد ، والإنسان حين يتضرع إلى الله لا يطلع عليه أحد ، فالأمر بينه وبين ربه ، لكن الحق سبحانه يريد أن يفضح الناس ببعض ، فيقول في موضع آخر : { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ . . . } [ الإسراء : 67 ] .
فذكر الجماعة ليفضحهم أمام بعض ؛ لأن الإنسان يستر على نفسه ، فالحكمة من الجمع هنا أن رؤية الناس قد تكون مانعة من الشر ، فمثلاً في موسم الحج ترى أكابر القوم وأوسطهم وأدناهم سواسية في الطواف ، ويقف الواحد منهم يبكي عند الملتزم ، وحين يراك صاحب المنصب أو المركز وهو مَنْ هو في بلده ساعة يعرف أنك رأيته وهو يبكي في هذا الموقف تراه يتواضع لك ، ولا يتعالى عليك بعدها .
فالحق سبحانه حين يُحذِّرنا من العودة إلى المعصية بعد أنْ يكشف عنا الضر إنما يعطينا المصل الواقي بصورة تحدث في الواقع ، وكأنه تعالى يقول لنا : خذوا بالكم ، واعلموا أنكم مفضوحون
تفسير الشعراوي — صفحة 11266
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٦٦