فالإنسان بطبعه لا يخدع نفسه ، ولا يسلمها إذا جدَّ الجد ، وفيه فطرة إيمانية إذا ما صفيتها في الذات البشرية لا تجد في النهاية إلا قوة واحدة هي قوة الله .
حتى الملاحدة حين تضيق بهم الأسباب يقولون : يا رب ، يا الله . يقولونها من تلقاء أنفسهم ، دون مرور بالعقل الذي أنكروا به وجود الله . وهذا يعني أن الفطرة الإيمانية قد تحجبها الأغيار البشرية وتلغيها ، فإذا ما نامت الأغيار البشرية وتلاشتْ لحدثٍ من الأحداث ظهرتْ الفطرة الإيمانية على السطح تلهمك بلا شعور .
لذلك نلحظ في قوله سبحانه : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ . . . } [ الأعراف : 172 ] شهدوا لأنهم ما يزالون في عالم الذر ، لا تتحكم فيهم الأغيار البشرية { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ . . . } [ الأعراف : 172 - 173 ] .
والله خلق الإنسان خليفة له في الأرض ، وسخر له كل هذا الكون ، فإنْ ظلَّ متمسكاً بهذا المنهج ، ووقف عند حد الخلافة يفوز ، أما إنْ ظن أنه أصيل في الكون يخيب ويخسر ، لكن الله الذي خلقه يعلم الأغيار فيه وهو خَلْقه وصنعته ؛ لذلك وجهه : أنت خليفتي في أرضي ، وعليك أن تنظر إلى ما طُلِب منك فتؤديه ، وإلا فسدت حياتك وتصادمت مع الآخرين ؛ لأنك لست وحدك فيها ، ولكي تنسجم مع غيرك لا بُدَّ أن تسير وَفْق منهجي ، وفي دائرة قوانين من استخلفك .
ثم يُنبِّهه من ناحية أخرى : يقول أنت أيها الإنسان ، اعلم أن الأسباب ستستجيب لك ، فإياك أن تظن أن لك قدرةً عليها ، أو أن لك جاهاً وعظمة ، فتنسى أنك خليفة ؛ لذلك يقول سبحانه : { كَلاَّ إِنَّ
تفسير الشعراوي — صفحة 11263
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٦٣