يتصورونها لأنفسهم لأنهم يكرهونها ؛ لذلك يقال في الأثر : ما رأيتْ يقيناً أشبه بالشكِّ من يقين الناس بالموت .
وليقين الإنسان في الموت نراه يحب البقاء في ولده ، وفي ولد ولده ليبقى ذِكْره أطول فترة ممكنة ، وما دام الأمر كذلك ، فلماذا لا تؤمن بالله فيورثك الإيمانُ حياةً خالدة باقية لا نهايةَ لها ، لا تفارقها ولا تفارقك ، وهي حياة الآخرة . إذن : فمَن الخاسرون ؛ الخاسرون هم الكافرون الذي قصروا حياتهم على عمرهم في الدنيا .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ . . . } .
عجيب أنْ يطلب الإنسان لنفسه العذاب ، وأن يستعجله إن أبطأ عليه ، إذن : ما طلبه هؤلاء إلا لاعتقادهم أنه غير واقع بهم ، وإلا لو ووَثِقُوا من وقوعه ما طلبوه .
{ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب . . . } [ العنكبوت : 53 ] لأن كل شيء عند الله بميقات ، وأجل ، والأجل يختلف باختلاف أصحابه وهو أجل الناس وأعمارهم ، وهي آجال متفرقة فيهم ، لكن هناك أجل يجمعهم جميعاً ، ويتفقون فيه ، وهو أجل الساعة .
فقوله تعالى : { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] أي : بآجالهم المتفرقة . أما أجل القيامة فأجل واحد مُسمّى عنده تعالى ، ومن عجيب الفَرْق بن الأجلين أن الآجال المتفرقة في الدنيا تنهي حياة ، أمّا أجل الآخرة فتبدأ به الحياة .
تفسير الشعراوي — صفحة 11234
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٣٤