ويقول سبحانه : { يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } [ طه : 7 ] فهل هناك أخفى من السر ؟ قالوا : السر ما تُسِرُّه في نفسك ، والأخفى منه أنْ يعلمه سبحانه قبل أن يكون في نفسك .
وقد وقف البعض عند قوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } [ النور : 29 ] وقوله سبحانه : { يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } [ الأنبياء : 110 ] .
يقولون : ما وجه امتنان الله بعلم الجهر من القول ، وبعِلْم ما نُبدي ، فهذا شيء غير مستور يعرفه الجميع ؟
ونقول : افهم عن الله مراده ، فالمعنى لم يقُلْ سبحانه : أعلم ما تبدي أنت ، ولا ما تجهر به أنت ، إنما ما تبدون كلكم ، وما تجهرون به كلكم ، ولتوضيح هذه المسألة تصوَّر مظاهرة من عدة مئات أو عدة آلاف تختلط بينهم الهتافات والأصوات وتتداخل الكلمات ، بحيث لا تستطيع أن تميز صوت هذا من صوت ذاك .
لكن الحق سبحانه يستطيع تمييز هذه الأصوات ، وإعادة كل منها إلى صاحبه ؛ لذلك نرى في المظاهرات أن كل إنسان يستطيع أن يقول ما يشاء ، ويهتف بما لا يجرؤ أن يهتف به منفرداً ؛ لأن صوته سيختلط مع الأصوات ، ويستتر فيها فلا يعرف مصدره ، وهكذا يكون علم الجَهْر أقوى من علم الغَيْب .
فإنْ قلت : إن بعض العلماء باكتشافاتهم وبحوثهم توصلوا إلى معرفة أسرار كانت مستترة في الكون ، كالكهرباء والذرة وغيرها ، فهُمْ بذلك يعلمون الغيب . نقول : نعم ، علموا شيئاً كان مستوراً في الكون ، لكن علموه بمقدمات خلقها الله ويسَّرها لهم ، فأخذوا هذه المقدمات وتوصَّلوا بها إلى اكتشافاتهم ، كما يحلّ ولدك مثلاً تمرين الهندسة ، فيستعين بالمعطيات .
تفسير الشعراوي — صفحة 11232
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٣٢