هوى ، فتنفذ الحكم على حقيقته ، فكأن الخصومات عند البشر تمرُّ بمراحل متعددة ، وقد تتميع الحقائق إذا لم تتوفر الشروط اللازمة لهذه الأطراف ، فلو شهد الشاهد زوراً أو مال القاضي أو المنفِّذ للحكم ودلَّس في التنفيذ لانقلبت المسائل .
أما في حكومة الحق - سبحانه وتعالى - في الخصومة بين محمد وقومه ، فكفى به سبحانه حاكماً وقاضياً ومُنفِّذاً ، لماذا ؟ لأنه سبحانه : { يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض . . . } [ العنكبوت : 52 ] .
فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، يعلم السر وأَخْفى ، فأيُّ شهادة إذن أعدل من شهادته ؟ وهو سبحانه قاضٍ عادل يحكم بالحق ؛ لأنه ليس له سبحانه هوىً يميل به إلى الباطل ، وهو سبحانه لا يُبدل في تنفيذ الأحكام ؛ لأنه يُنفّذ حكمه هو سبحانه .
إذن : مَنِ الفائز في حكومة قاضيها الحق - تبارك وتعالى - وأطراف الخصومة فيها محمد وقومه ؟ فاز رسول الله في أن يكون الله هو الشهيد ، وخسر الكافرين حين كفروا به ، ولم تكْفِهم البينة التي جاءتهم في القرآن الكريم .
وعِلْم الله للغيب ليس علاجاً ومذاكرة ليعلم ، إنما تأتي الأمور بتوقيت منه قديم أزلاً ، والعالم يظهر على وَفْق ما يراه أزلاً ؛ لذلك يقول سبحانه : { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] .
أي : يقول للشيء ، فكأنه موجود فعلاً ينتظر الأمر من الله بالظهور للناس ، فقوله ( كُنْ ) للظهور فقط ، أما مسألة الخَلْق فمنتهية أزلاً ، و ( الماكيت ) موجود ، فالحق سبحانه يعلم غَيْب السماوات والأرض ، أما نحن فلا نعلم حتى غَيْب أنفسنا .
تفسير الشعراوي — صفحة 11231
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٢٣١