تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11233

مساهمون:

ص١١٢٣٣
إذن ؛ فهو في حقيقة الأمر ليس غيباً ، بل هو شيء موجود ، لكن له ميلاد ووقت يظهر فيه ، فإنْ جاء وقته يسَّر الله لخَلْقه الوصول إليه ، إما بالبحث واستخدام المقدمات ، فإذا صادف ميلاد السر بحث الخلق يُقال : إنهم أحاطواعِلْماً ببعض غيب الله . ويقول تعالى : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ . . . } [ البقرة : 255 ] أي : شاء أنْ يُولد ، فإنْ جاء ميلاد السر ، ولم يتوصَّلوا إليه ببحوثهم ، ولم يقفوا على مقدماته كشفه الله لهم ولو مصادفة ، وقد اكتشفوا كثيراً من أسرار الكون مصادفة . فالغيب الحقيقي : هو الذي ليس له مقدمات تُوصِّل إليه ، ولا يعلمه أحد إلا الله ، والذي قال الله عنه : { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ . . . } [ الجن : 26 - 27 ] فالرسول - إذن - لا يعلم الغيب ، إنما عُلِّم الغيب . ثم يقول تعالى : { والذين آمَنُواْ بالباطل . . . } [ العنكبوت : 52 ] أي : بعبادة ما دون الله من الأصنام والأوثان { وَكَفَرُواْ بالله . . . } [ العنكبوت : 52 ] الخالق واجب الوجود { أولئك هُمُ الخاسرون } [ العنكبوت : 52 ] لأن كفر الخَلْق بالخالق لا يؤثر في ذاته سبحانه ، ولا في صفات الكمال فيه ، لأنه سبحانه بصفات الكمال خلقهم ، فله سبحانه صفات الكمال ، آمنوا أم كفروا . لكن فَرْق بين مَنْ يؤمن ومَنْ يكفر ، فالإنسان بطبعه حريص على الحياة متمسك بها ، حتى إنه إنْ أصابه مرض طلب العلاج ليصون حياته وهو يخاف الموت ، ويرى مصارع الناس من حوله ، وكيف سبقه أجداده ولم يخلد منهم أحد ، ويرى أن الموت يأتي بلا أسباب ؛ حتى قيل : والموت من غير سبب هو السبب . إذن : فالموت حقيقة ، لكن يشكُّ الناس فيها ولا