تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11156

مساهمون:

ص١١١٥٦
فلماذا يُكذّب الناس دعوة الخير ؟ قالوا : لا يُكذِّب دعوة الخير إلا المستفيدون من الشر ؛ لأن الخير سيقطع عليهم الطريق ، ويسحب منهم مكانتهم وسلطتهم وسيادتهم ، فكل الذين عارضوا رسل الله كانوا أكابر القوم ورؤساءهم ، وقد ألفوا السيادة والعظمة ، واعتادوا أن يكون الناس عبيداً لهم ، فكيف إذن يُفسِحون الطريق للرسل ليأخذوا منهم هذه المكانة ؟ وإلا ، فلماذا كان عبد الله بن أُبَيٍّ يكره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ؟ لأنه يوم وصل رسول الله إلى المدينة كانوا يُعِدُّون التاج لعبد الله بن أبي ، لينصبوه مَلِكاً على المدينة ، فلما جاءها رسول الله شغلوا بهذا الحدث الكبير ، وانصرفوا عن هذه المسألة . لكن ، ماذا قال شعيب لقومه حتى يُكذِّبوه ؟ لقد قال لهم أمرين هما : { اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر } [ العنكبوت : 36 ] ونهي واحد في { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ } [ العنكبوت : 36 ] ومعلوم أن الأمر والنهي قوْل لا يحتمل الصِّدْق ، ولا يحتمل الكذب ؛ لأنه إنشاء وليس خبراً ، لأنه ما معنى الكذب ؟ الكذب أن تقول لشيء وقع أنه لم يقع ، أو لشيء لم يقع أنه وقع ، وهذا يسمونه خبراً . فإنْ وافق كلامك الواقعَ فهو صِدْق ، وإنْ خالف الواقع فهو كذب ، إذن : كيف نحكم على ما لم تقع له نسبة أنه صِدْق أو كذب ؟ حينما تقول مثلاً : قِفْ . هل نقول لك إنك كاذب ؟ لا ، لأن واقع الإنشاء لا يأتي إلا بعد أنْ تتكلم ، لذلك قسَّموا الكلام العربي إلى خبر وإنشاء . ولكي نبسط هذه المسألة على المتعلم نقول : المتكلم حين يتكلم يأتي بنسبة اسمها نسبة كلامية ، قبل أن يتكلم بها جالتْ في ذهنه ،