لكن ، لماذا سمَّاه القرآن جواباً ؟ قالوا : لأنهم لو لم يتكلموا بهذا الكلام لقيل عنهم أنهم لم يلتفتوا إلى كلام نبيهم ولم يأبهوا به ، وأن كلامه لا وزنَ له ، ولا يُرَد عليه ، فإنْ كان كلامهم لا يُعَد جواباً فهو في صورة الجواب ، وإنْ كان جواباً فاسداً .
وقولهم : { اقتلوه . . . } [ العنكبوت : 24 ] نعلم أن القتل هو هدم البنية هدماً يتبعه خروج الروح لأنها لا تجد بنية سليمة تسكنها ، أما الموت فتخرج الروح أولاً ، ثم تهدم البنية حين تتحلل في التراب ، إذن : فهما سواء في أنهما هلاك .
وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بلمبة الكهرباء التي تضيء ، فالكهرباء لا توجد في اللمبة ، إنما في شيء خارج عنها ، لكن يظهر أثر الكهرباء في اللمبة إنْ كانت سليمة صالحة لإستقبال التيار ، فإنْ كسرتها فلا تجد فيها أثراً للكهرباء ولا تضيء ، وقد تمنع عنها الكهرباء وهي سليمة .
ثم قالوا { أَوْ حَرِّقُوهُ . . . } [ العنكبوت : 24 ] وهل التحريق بعد القتل يُعَد ارتقاءً في العقوبة ؟ لا شكَّ أن القتل أبلغ من التحريق ، فقد يُحرق شخص ، وتتم نجدته وإسعافه فلا يموت ، فالقتل تأكيد للموت ، أمّا التحريق فلا يعني بالضرورة الموت ، فلماذا لم يقولوا فقد اقتلوه وتنتهي المسألة ، أو يُصعدوا العقوبة فيقولوا : حرِّقوه أو اقتلوه ؟
إنهم بدأوا بأقصى ما عندهم من عقوبة لشدة حَنَقهم عليه فقالوا { اقتلوه . . . } [ العنكبوت : 24 ] ثم تراءى لهم رأي آخر : ولماذا لا نحرقه بالنار ، فربما يعود ويرجع عن دعوته حينما يجد ألم التحريق ،
تفسير الشعراوي — صفحة 11125
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١٢٥