تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11040

مساهمون:

ص١١٠٤٠
ما تكون أمَّارة بالسوء ، تنظر إلى العاجل ، ولا تهتم بالآجل ولا تعمل له حساباً . فالقرآن منهج الله بافعل ولا تفعل ، هو الذي يكبح جماح النفس ، ويُحدِّد لها مجال مشيئتها ؛ لأن الخالق - عَزَّ وَجَلَّ - خلق النفس ، وجعل مشيئتها صالحة لعمل الخير ، ولعمل الشر . وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين عباد وعبيد وقلنا : إن الخَلْق جميعاً عبيد الله ، المؤمن منهم والكافر ، وإنْ تأبَّى الكافر على الله في الإيمان ، فهو مقهور له تعالى في مسائل أخرى ، كالمرض والموت وغيره ، ثم أعطانا الله تعالى مجالاً للاختيار ، ليثيب من يُثيب بحق ، يُعذِّب بحق . والعاقل حينما يرى أنه مقهور لله في قدريات لا يستطيع منها فكاكاً ، وليس له فيها تصرف ، فيتنازل عن مراده ، وعن اختياره لمراد ربه واختيار ربه ، ويرضى أنْ يكون مُسيَّراً في كل شيء ، وهنا يتحولون من عبيد إلى عباد . فالعباد إذن هم الذين يخرجون عن اختياراتهم الممنوحة لهم من الله إلى مراد الله في الحكم ، وبهذا المنطق يكون الجميع في الآخرة عباداً ؛ لأنه لا اختيار لهم ، ويستوي في ذلك المؤمن والكافر ، يوم يقول سبحانه : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] . وسُمِّي إنزال القرآن فَرْضاً لما في القرآن من تكاليف ، وهي عادةً ما تكون شاقة على النفس ، أَلاَ ترى قوله تعالى عن الصلاة ، وهي أم العبادات : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين } [ البقرة : 45 ] . فلا يعرف منزلتها ومكانتها إلا خاشع ؛ لذلك كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول