لذلك يقولون في تعريف الحسنة : هي ما حسَّنه الشرع ، لا ما حسَّنْتها أنت ، فنحن مثلاً نستسيغ بعض الأطعمة ، ونجد فيها متعة ولذة ، مع أنها مُضرة ، في حين نأنف مثلاً من أكل الطعام المسلوق ، مع أنه أفيد وأنفع ؛ لذلك يقول تعالى في صفة الطعام :
{ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً . . . } [ النساء : 4 ] لأن الطعام قد يكون هنيئاً تجد له متعة ، لكنه غير مريء ويُسبِّب لك المتاعب بعد ذلك .
الحق سبحانه يقول هنا : { مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا . . . } [ القصص : 84 ] فالحسنة خير ، لكن ، الثواب عليها خيرٌ منها أي : أخير ؛ لأنه عطاء دائم باقٍ لا ينقطع ، أو خير يأتيك بسببها . كما يقول أصحاب الألغاز واللعب بالكلمات : محمد خير من ربه ، والمعنى : خير يصلنا من الله ، ولا داعي لمثل هذه الألغاز طالما تحتمل معنى غير مقبول .
ثم يقول سبحانه : { وَمَن جَآءَ بالسيئة . . . } [ القصص : 84 ] لم يقُل الحق سبحانه : فله أشر منها ، قياساً على الحسنة فنضاعف السيئة كما ضاعفنا الحسنة ، وهذه المسألة مظهر من مظاهر رحمة الله بخَلْقه ، هذه الرحمة التي تتعدَّى حتى إلى العُصَاة من خَلْقه .
لذلك قال { فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ القصص : 84 ] أي : على قَدْرها دون زيادة .
واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى في سورة ( عم ) : { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً } [ النبأ : 31 - 36 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 11038
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٠٣٨