{ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً . . } [ النور : 33 ] يعني : إنْ كانت حريتهم ستؤدي إلى خير كأنْ ترفع عنهم ذِلَّة العبودية ، وتجعلهم ينشطون في الحياة نشاطاً يناسب مواهبهم .
لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - هذه المكاتبة مَصْرفاً من مصارف الزكاة ، فقال تعالى : { وَفِي الرقاب . . } [ البقرة : 177 ] يعني : المماليك الذين نريد أنْ نفكَّ رقابهم من أَسْر العبودية وذُلِّها بالعتق ، وإنْ كان مال الزكاة يُدفع للفقراء وللمساكين . . إلخ ففي الرقاب يدفع المال للسيد ليعتق عبده .
كما جعل الإسلام عِتْق الرقاب كفارةً لبعض الذنوب بين العبد وبين ربه ؛ ذلك لأن الله تعالى يريد أن يُنهي هذه المسألة .
{ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ . . } [ النور : 33 ] .
الحق - تبارك وتعالى - هو الرازق ، والمال في الحقيقة مال الله ، لكن إنْ ملّكك وطلب منك أن تعطي أخاك الفقير يحترم ملكيتك ، ولا يعود سبحانه في هِبَته لك ؛ لذلك يأخذ منك الصدقة على أنها قَرْض لا يردُّه الفقير ، إنما يتولى ربك عَزَّ وَجَلَّ رَدَّه ، فيقول : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً . . } [ البقرة : 245 ] ولم يقُلْ سبحانه : يقرض فلاناً ، وإنما يُقرِض الله لأنه تعالى هو الخالق ، ومن حق عبده الذي استدعاه للوجود أنْ يرزقه ويتكفّل له بقُوتِه .
واحترام الملكية يجعل الإنسان مطمئناً على آثار حركة حياته وثمره جهده ، وأنها ستعود عليه ، وإلاّ فما الداعي للعمل ولبذل المجهود إنْ ضاعت ثمرته وحُرِم منها صاحبها ؟ عندها ستتعطل مصالح كثيرة وسيعمل الفرد على قَدْر حاجته فحسب ، فلا يفيض عنه شيء للصدقة .
تفسير الشعراوي — صفحة 10266
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٢٦٦