لذلك قال في البلاغ عن الله ( قُلْ ) وفي الفعل ( يَغضُّوا ) دلالةً على ملحظية ( قل ) ، فالفعل ( يغضوا ) مضارع لم تسبقه أداة جزم ، ومع ذلك حُذِفت منه النون ، ذلك لأنه جعل ( قُلْ ) ملحظية في الأسلوب .
والمعنى : إنْ تقُل لهم غُضُّوا أبصاركم يغضُّوا ، فالفعل - إذن - مجزوم في جواب الأمر ( قُلْ ) .
إذن { قُلْ . . } [ النور : 30 ] تدل على أمانة الرسول في البلاغ ، وعلى أن القرآن ما نزل للأحكام فحسب ، إنما هو أيضاً كلام الله المعجز ؛ لذلك نحافظ عليه وعلى كل لفظة فيه ، وكأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول : ما أتيتُ لكم بشيء من عندي ، ومهمتي أن أبلغكم ما قاله الله لي .
وقوله : { لِّلْمُؤْمِنِينَ . . } [ النور : 30 ] فما داموا مؤمنين بإله حكيم ، وقد دخلوا حظيرة الإيمان باختيارهم لم يُرغمهم عليه أحد ، فلا بُدَّ أنْ يلتزموا بما أمرهم ربهم به وينفذوه بمجرد سماعه .
والغَضُّ : النقصان ، يقال : فلان يغُضُّ من قَدْر فلان يعني : ينقصه ، فكيف يكون النقصان في البصر ؟ أينظر بعين واحدة ؟ قالوا : البصر له مهمة ، وبه تتجلى المرائي ، والعين مجالها حر ترى كل ما أمامها سواء أكان حلالاً لها أو مُحرّماً عليها .
فنقص البصر يعني : قَصْره على ما أحل ، وكفّه عما حُرم ، فالنقص نقص في المرائي وفي مجال البصر ، فلا تعطي له الحرية المطلقة فينظر إلى كل شيء ، إنما تُوقِفه عند أوامر الله فيما يُرى وفيما لا يُرى .
و { مِنْ . . } [ النور : 30 ] في قوله تعالى : { مِنْ أَبْصَارِهِمْ . . } [ النور : 30 ] البعض يرى أنها للتبعيض كما تقول : كُلْ من هذا الطعام يعني : بعضاً منه ، فالمعنى : يغضُّوا بعض البصر ؛ لأن بَعضه حلال لا أغض عنه بصري ، وبعضه محرم لا أنظر إليه .
تفسير الشعراوي — صفحة 10251
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٢٥١