تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10250

مساهمون:

ص١٠٢٥٠
إنما هي لمنع هذه الجريمة البشعة التي بُدِئَتْ بها هذه السورة ؛ لأن النظر أول وسائل الزنا ، وهو البريد لما بعده ، أَلاَ ترى شوقي رَحِمَهُ اللَّهُ حين تكلم عن مراحل الغَزَل يقول : نَظْرَةٌ فابتسَامَةٌ فسَلاَمٌ . . . فكَلامٌ فموعِدٌ فَلِقَاءٌ فالأمر بغَضِّ البصر لِيسدَّ منافذ فساد الأعراض ، ومَنْع أسباب تلوث النسل ؛ ليأتي الخليفة لله في الأرض طاهراً في مجتمع طاهر نظيف شريف لا يتعالى فيه أحد على أحد ، بأن له نسباً وشرفاً ، والآخر لا نسبَ له . ذلك ليطمئن كل إنسان على أن مَنْ يليه في الخلافة من أبناء أو أو أحفاد إنما جاءوا من طريق شرعيٍّ شريف ، فيجتهد كل إنسان في أن يُنشِّيء أطفاله تنشئةً فيها شفقة ، فيها حنان ورحمة ؛ لأنه واثق أنه ولده ، ليس مدسوساً علي ، وأغلب الظن أن الذين يُهملون أطفالهم ولا يُراعون مصالحهم يشكُّون في نسبهم إليهم . ولا يصل المجتمع إلى هذا الطُّهْر إلا إذا ضمنتَ له الصيانة الكافية ، لئلا تشرد منه غرائز الجنس ، فيعتدي كل نظر على مَا لا يحلّ له ؛ لأن النظر بريد إلى القلوب ، والقلوب بريد إلى الجنس ، فلا يعفّ الفرج إلا بعفاف النظر . ونلحظ في قوله تعالى : { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ . . } [ النور : 30 ] دقة بلاغ الرسول عن ربه - عَزَّ وَجَلَّ - وأمانته في نقل العبارة كما أُنزِلَتْ عليه ، ففي هذه الآية كان يكفي أن يقول رسول الله : غُضُّوا أبصاركم ، لكنه التزم بنص ما أُنزِل عليه ؛ لأن القرآن لم ينزل للأحكام فقط ، وإنما القرآن هو كلام الله المنزّل على رسوله والذي يُتعبَّد بتلاوته ، فلا بُدَّ أنْ يُبلّغه الرسول كما جاءه من ربه .
تفسير الشعراوي — صفحة 10250 | محمد متولي الشعراوي