فساعة تنظر إلى المرأة هذا إدراك ، فإنْ أعجتبْك وانبسطتْ لها أساريرك ، فهذا وجدان ، لا بُدَّ أن يترك في تكوينك تفاعلاً كيماوياً لا يهدأ ، إلا بأن تنزع فإنْ طاوعْتَ نفسك في النزوع فقد اعتديتَ ، وإنْ كبتَّ في داخلك هذه المشاعر أصابتْك بعُقد نفسية ودعتْك إلى أن تبحث عن وسيلة أخرى للنزوع ؛ لذلك رحمك ربك من بداية الأمر ودعاك إلى مَنْع الإدراك بغضِّ البصر .
لذلك بعد أن أمرنا سبحانه بعضِّ البصر قال : { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ . . } [ النور : 30 ] لأنك لا تملك أن تفصل النزوع عن الوجدان ، ولا الوجدان عن الإدراك ، وإنْ أمكن ذلك في الأمور الأخرى ، فحين نمنعك عن قطف الوردة التي أعجبتْك لا يترك هذا المنع في نفسك أثراً ولا وَجْداً ، على خلاف ما يحدث إنْ مُنعتَ عن امرأة أعجبتك ، وهيَّجك الوجدان إليها .
وحِفْظ الفروج يكون بأن نقصرها على ما أحلَّه الله وشرعه فلا أنيله لغير مُحلَّل له ، سواء كان من الرجل أو من المرأة ، أو : أحفظه وأصونه أن يُرى ؛ لأن رؤيته تهيج إلى الشر وإلى الفتنة .
{ ذلك أزكى لَهُمْ . . } [ النور : 30 ] يعني : أطهر وأسلم وأدْعَى لراحة النفس ؛ لأنه إما أن ينزع فيرتكب محرماً ، ويلج في أعراض الناس ، وإما ألا ينزع فيُكدِّر نفسه ويُؤلمها بالصبر على مَا لا تطيق .
ثم يقول سبحانه : { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ النور : 30 ] فهو سبحانه خالق هذه النفس البشرية ، وواضع مسألة الشهوة والغريزة الجنسية التي هي أقوى الغرائز ليربط بها بين الرجل والمرأة ، وليحقق بها عملية النسل وبقاء الاستخلاف في الأرض ، ولو لم تربط هذه العلاقة بالشهوة الملّحة لزهَدَ الكثيرون في الزواج وفي الإنجاب وما يترتب عليه من تبعات .
تفسير الشعراوي — صفحة 10253
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٢٥٣