تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10252

مساهمون:

ص١٠٢٥٢
أو : أن { مِنْ . . } [ النور : 30 ] هنا لتأكيد العموم في أدنى مراحله ، وسبق أن تكلمنا عن ( مِنْ ) بهذا المعنى ، ونحن كلما توغلنا في التفسير لا بُدّ أن تقابلنا أشياء ذكرناها سابقاً ، ونحيل القارئ عليها . قلنا : فرق بين قولك : ما عندي مال ، وقولك : ما عندي من مال . ما عندي مال ، يحتمل أن يكون عندك مال قليل لا يُعْتدّ به ، لكن ما عندي من مال نفي لجنس المال مهما قَلَّ ، فمِنْ تعني بدايةَ ما يقال له مال . فالمعنى هنا : { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ . . } [ النور : 30 ] يعني : بداية مَا يُقال له بصر ، ولو لمحة خاطفة ، ناهيك عن التأمل وإدامة البصر . وقلنا : إن الشرع لا يتدخل في الخواطر القلبية والهواجس ، إنما يتدخل في الأعمال النزوعية التي يترتب عليها فعل ، قلنا : لو مررتَ ببستان فرأيتَ به ورده جميلة ، فأعجبت بها وسُرِرْت وانبسطتْ لها أسارير نفسك ، كل هذا مباح لك لا حرجَ عليك فيه ، فإنْ تعدَّى الأمر ذلك فمددتَ إليها يدك لتقطفها ، هنا يتدخل الشرع يقول لك : قِفْ ، فليس هذا من حقك لأنها ليستْ لك . هذه قاعدة عامة في جميع الأعمال لا يستثني منها إلا النظر وحده ، وكأن ربنا - عَزَّ وَجَلَّ - يستسمحنا فيه ، هذه المسألة من أجلنا ولصالحنا نحن ولراحتنا ، بل قل رحمة بنا وشفقة علينا من عواقب النظر وما يُخلِّفه في النفس من عذابات ومواجيد . ففي نظر الرجل إلى المرأة لا نقول له : انظر كما تحب واعشق كما شئت ، فإن نزعْتَ إلى ضمة أو قبلة قلنا لك : حرام . لماذا ؟ لأن الأمر هنا مختلف تماماً ، فعلاقة الرجل بالمرأة لها مراحل لا تنفصل إحداها عن الأخرى أبداً .
تفسير الشعراوي — صفحة 10252 | محمد متولي الشعراوي