وكان هذا المعقِّب هو صفوان بن المعطل ، فلما رأى شبحَ إنسان نائم فاقترب منه ، فإذا هي عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، فأناخ ناقته بجوارها ، وأدار وجهه حتى ركبتْ وسار بها دون أن ينظر إليها وعَفَّ نفسه ، بدليل أن القرآن سمَّى ما قالوه إفْكاً يعني : مناقضاً للواقع ، فصفوان لم يفعل إلا نقيض ما قالوا .
ولما قَدِم صفوان يقود ناقته بعائشة رآه بعض أهل النفاق فاتهموهما ، وقالوا في حقهما مَا لا يليق بأم المؤمنين ، وقد تولّى هذه الحملة رَأْسُ النفاق في المدينة عبد الله بن أُبيٍّ ومِسْطح بن أُثَاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش امرأة طلحة بن عبيد الله وأخت زينب بنت جحش ، فروَّجوا هذا الاتهام وأذاعوه بين الناس .
ثم يقول سبحانه : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ . . } [ النور : 11 ] لكن ما الخير في هذا الكلام وفي إذاعته ؟ قالوا : لأن القرآن حين تُتَّهم عائشة وتنزل براءتها من فوق سبع سماوات في قرآن يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة ، وحين يُفضَح قوم على لسان القرآن ، لا بُدَّ أن يعتبر الآخرون ، ويخافوا إنْ فعلوا مخالفة أنْ يفتضح أمرهم ؛ لذلك جاء هذا الموقف درساً عملياً لمجتمع الإيمان .
نعم ، أصبحت الحادثة خيراً ؛ لأنها نوع من التأييد لرسول الله ولدعوته ، فالحق - تبارك وتعالى - يُؤيِّد رسوله في الأشياء المسرَّة ليقطع أمل أعدائه في الانتصار عليه ، ولو بالتدليس ، وبالمكر ولو بالإسرار والكَيْد الخفي ، ففي ذروة عداء قريش لرسول الله كان
تفسير الشعراوي — صفحة 10213
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٢١٣