يُعينك على غايتك ، إنما أنت : متى تستطيع أن تدرك الأشياء لتضع غاية أو تضع قانون الصيانة ؟
إنك لا يمكن أن تبلغ هذا المبلغ قبل سِنِّ العشرين على أحسن تقدير ، فمَنْ - إذن - يضع لك غايتك وقانون صيانتك قبل هذه السنِّ ؟ لا أحدَ غير خالقك عَزَّ وَجَلَّ ، ولن يستقيم الحال إلا إذا تركنا الصَّنْعة للصانع غايةً ومنهجاً وصيانة .
وكيف تظن أن الله تعالى خلقك عَبثاً ، وهو الذي استدعاك للوجود وأعدَّ لك مُقوِّمات حياتك وضرورياتها ، وحثَّك بإعمال عقلك في هذه المقومات لتستطيع أن تُرفِّه بالطاقة والقدرة المخلوقة لله تعالى لتُسعِدَ نفسك وتُرفِّه حياتك .
وقد كنا في الماضي نجلس على ضوء المسرجة ، والآن على أضواء النيون والكريستال ، ومهما ترفهت حياتك وتوفرت لك وسائل الراحة فلا تنْسَ أنها عطَاء من الله في المادة وفي الطاقة وفي العقل المفكر ، كلها مخلوقة لله عزَ وجل ، لا تملك أنت منها شيئاً ، بدليل أن الله إذا سلبك العقل لَصِرت مجنوناً ، ولو سلبك الطاقة والقدرة لصرتَ ضَعيفاً لا تستطيع مجرد التنفس ، فهذه نِعَمٌ موهوبة لك ليست ذاتية فيك .
إذن : عليك أن تتأمل في خالقك عَزَّ وَجَلَّ ، وما وهبك من مقومات الحياة ، لتعلم أن هذا الخَلْق لا يمكن أن يكون عبثاً ، ولا بد أن له غاية رسمها الخالق سبحانه ، وأنت في ذاتك تحاول أن تضع لك غاية في جزئية ما من الغاية الكبرى التي خلقك الله لها .
أَلاَ ترى الولد الصغير كيف تعتني به وتُعلِّمه وتنفق عليه مرحلة بعد الأخرى ، حتى يصل إلى الجامعة ، وتتعلق أنت بأمل كبير في أن
تفسير الشعراوي — صفحة 10173
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٧٣