فحين ينفي الحق - سبحانه وتعالى - النسب يقول : { فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ . . } [ المؤمنون : 101 ] فليس النفي لوجود النسب ، فإذا نُفِخ في الصور منعت البُنوَّة من الأبوة ، أو الأبوة من البنوة . إنما النسب موجود حقيقة ، لكن لأن النسب المعروف فيه التعاون على الخير والتآزر في دفع الشر ، فالنفي هنا لهذه المنفعة في هذا اليوم بالذات حيث لا ينفع أحد أحداً ، فالنسب موجود لكن دون نفع ، فالنفع من أمور الدنيا أن يُوجد قوي وضعيف ، فالقوي يُعين الضعيف ، ويفيض عليه ، أمّا في هذا الموقف فالكل ضعيف .
كما قال تعالى : { يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرئ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [ عبس : 34 - 37 ] .
ويقول : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [ المدثر : 38 ] .
لذلك حينما حدَّثَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أننا سنُحشر يوم القيامة حُفَاة عُراة تعجبت السيدة عائشة ، واستحيتْ من هذا الموقف ، فأخبرها رسول الله أن الأمر ليس كذلك ، فهذا موقف ينشغل كُلٌّ بنفسه ، والحال أصعب من أن ينظر أحد لأحد .
إذن : النفي لنفع الأنساب ، لا للأنساب نفسها .
وإنْ كان نفع الأنساب يمتنع لهول الآخرة فقد يتسامى الإنسان فيمنع نفعه حتى في الدنيا عن ذوي قرابته إنْ كانوا غير مؤمنين ، وقد ضربها الله مثلاً في قصة نوح - عليه السلام - وولده ، وخاطبه
تفسير الشعراوي — صفحة 10154
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٥٤