ومن ذلك قوله تعالى : { مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } [ الرحمن : 19 - 20 ] وما داما يلتقيان ، فما فائدة البرزخ هنا ؟
قالوا : نعم يلتقيان ، ولا يبغي أحدهما على الآخر ؛ لأن المسألة ليست سَدَّاً أو بناءً هندسياً ، إنما برزخ خاصٌّ لا يقدر عليه إلا طلاقة القدرة الإلهية التي خرقتْ النواميس ، فجعلتْ الماءَ السائلَ جبلاً ، بعد أن ضربه موسى بعصاه ، فصار كل فِرْق كالطود العظيم ، طلاقة القدرة التي فجرت الحجر عيوناً .
إذن : المسألة ليست ( ميكانيكا ) كما يظن البعض .
والبرزخ بين الماء المالح والماء العَذْب آية من آيات الله شاخصة أمامنا ، يمكننا جميعاً أنْ نتأكد من صحة هذه الظاهرة .
لكن هذا البرزخ من أمامهم ، فلماذا قال تعالى : { وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ المؤمنون : 100 ] .
قالوا : لأن اللفظ الواحد يُطلق في اللغة وله معَانٍ عدَّة واللفظ واحد ؛ لذلك يُسمُّونه المشترك ، فمثلاً كلمة عَيْن تطلق على العين الباصرة ، وعلى عين الماء ، وعلى الجاسوس ، وتُقال للذهب وللفضة ، وللرجل البارز في قومه ، والسياق هو الذي يُحدِّد المعنى المراد ؛ لذلك على السامع أن تكون عنده يقظة ليردّ اللفظ إلى المعنى المناسب لسياقه .
وكذلك كلمة ( النجم ) فتعني الكوكب في السماء ، وتعني كذلك مَا لا ساقَ له من النبات ، وهو العُشْب الذي ترعاه البهائم ، ومنه قول الشاعر :
تفسير الشعراوي — صفحة 10152
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٥٢