الأرض مُكوَّرة ، بحيث يجتمع فيها الليل والنهار في وقت واحد ، فالذي واجه الشمس كان نهاراً ، والذي واجه الظلمة كان ليلاً .
ثم يقول سبحانه : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ المؤمنون : 80 ] لأن هذه المسائل كان يجب أن تعقلوها خاصة ، وقد كانت اختلافات الأوقات مَبْنية على التعقل ، أما الآن فهي مَبْنية على النقل ، حيث تقاربت المسافات ، وصِرْنا نعرف فارق التوقيت بيننا وبين جميع أنحاء العالم بالتحديد .
كذلك كان الناس في الماضي ينكرون نظرية كروية الأرض ، حتى بعد أن التقطوا لها صوراً أظهرت كرويتها وجدنا من مفكرينا من ينكر ذلك .
ونقول : لماذا نقف هذا الموقف من نظريات ثابتة قد سبق قرآنُنَا إلى هذا القول ؟ ولماذا نعطي الآخرين فكرة أن ديننا يغفل هذه المسائل ، مع أنه قد سبق كل هذه الاكتشافات ؟
ولو تأملتَ قوله تعالى : { وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض . . } [ الرعد : 3 ] لوجدت فيه الدليل القاطع على صِدْق هذه النظرية ؛ لأن الأرض الممدودة هي التي لا تنتهي إلى حافة ، وهذا لا يتأتّى إلا إذا كانت الأرض كروية بحيث تسير فيها ، لا تجد لها نهاية حتى تصل إلى الموضع الذي منه بدأت ، ولو كانت الأرض على أي شكل آخر غير الكروي مثل المربع أو المستطيل لكان لها نهاية . لكن لم تتوفر لنا في الماضي الآلات التي تُوضِّح هذه الحقيقة وتُظهرها .
إذن : الحق سبحانه في قوله : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ المؤمنون : 80 ] ينبهنا إلى ضرورة إعمال العقول في المسائل الكونية ؛ لأنها ستوفر علينا الكثير في الطريق إلى الله عَزَّ وَجَلَّ ، ولماذا يُعمِل الإنسان عقله ويتفنّن مثلاً في ارتكاب الجرائم فَيُرتب لها ويُخطط ؟ لكن الله تعالى يكون له بالمرصاد فيُوقِعه في مَزْلَق ، فيترك وراءه منفذاً لإثبات جريمته ، وثغرة تُوصِّل إليه ؛ لذلك يقول رجال القضاء : ليست هناك جريمة كاملة ، وهذه مهمة القاضي أو المحقق الذي يحاور المجرم ليصل إلى هذه الثغرة .
وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول : لقد استخدمتَ عقلك فيما لا ينبغي ، وسخَّرْته لشهوات نفسك ، فلا بُدَّ أن أوقعك في مزلق ينكشف فيه أمرك ، فإنْ سترتها عليك مرة فإياك أنْ تتمادى ، أو تظنّ أنك أفلتَّ بعقلك وترتيبك وإلاَّ أخذتُك ولو بجريمة لم تفعلها ؛ لأنك لا تستطيع أن تُرتِّب بعقلك على الله ، وعدالته سبحانه فوق كل ترتيب .
كما لو فُضِح إنسان بأمر هو منه بريء ، ولحقه الأذى والضرر بسبب هذه الإدانة الكاذبة ، فتأتي عدالة السماء فيستر الله عليه فضيحة فعلها جزاءً لما قد أصابه في الأولى ، وهذه مسألة لا يفعلها إلا رب .
والحق - سبحانه وتعالى - حينما يُنبِّه العقل ويثيره : تفكّر ، تدبّر ، تعقّل ، ليدرك الأشياء الكونية من حوله ، فهذا دليل على أنه
تفسير الشعراوي — صفحة 10119
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١١٩