الذين يسلكون هذا المسلك فيسهرون الليل حتى الفجر ، وينامون النهار حتى المغرب ، وكم أحدثوا من فساد في حركة الحياة ، فالتلميذ ينام في الدرس ، والعامل ينام ويُقصِّر في أداء عمله .
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُنبِّهنا إلى هذه المسألة في قوله : « . . . أطفئوا المصابيح إذا رقدتم » لأن الجسم لا يأخذ راحته ، ولا يهدأ إلا في الظلمة ، فيصبح الإنسان قوياً مستريحاً نشيطاً ، واقرأ قول الله تعالى : { وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } [ النبأ : 10 - 11 ] .
ومن دِقَّة الأداء القرآني أن يراعي هؤلاء الذين يعملون ليلاً ، وتقتضي طبيعة أعمالهم السَّهَر ، مثل رجال الشرطة وعمال المخابز وغيرهم ، فيقول تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار . . } [ الروم : 23 ] فالليل هو الأصل ، والنهار لمثل هؤلاء الذين يخدمون المجتمع ليلاً ؛ لذلك عليهم أن يجعلوا من النهار ليلاً صناعياً ، فيغلقوا النوافذ ويناموا في مكان هادئ ؛ ليأخذ الجسم حظه من الراحة والهدوء .
إذن : الليل والنهار ليسا ضِدّيْن ، إنما هما خَلْقان متكاملان لا متعاندان ، وهما كالذكَر والأنثى ، يُكمل كل منها الآخر ، لا كما يدَّعي البعض أنهما ضدان متقابلان ؛ لذلك بعد أن أقسم الحق سبحانه بالليل إذا يغشى ، وبالنهار إذا تجلَّى ، قال :
{ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى } [ الليل : 3 - 4 ] فالليل والنهار كالذكر والأنثى لكل منهما مهمة في حركة الحياة .
واختلاف الليل والنهار من حيث الضوء والظُّلْمة والطول والقِصَر وفي اختلاف الأماكن ، فالليل لا ينتظم الكون كله ، وكذلك النهار ،
تفسير الشعراوي — صفحة 10116
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١١٦