والمسألة الرابعة في توبيخ الله لهم : { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ . . } [ المؤمنون : 70 ] يعني : جنون ، والجنون أنْ تتعطل الآلة العقلية التي تزن الحركات على وفق النفع والضر ، فتفعل الخير النافع ، وتترك الشر الضارّ . ولننظر : أيّ خصلة من خصال الجنون في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
ودَعْكَ من قضية الدين والإله إنما خُذْ خُلقه ، والخلُق أمر يتفق عليه الجميع ويحمدونه ، حتى وإنْ كانوا ضد صفته ، فالكذاب يحب الصادق ، ويعترف أن الصدق شرف وكرامة ، والبخيل يحب الكريم ، والغضوب يحب الحليم ، أَلاَ ترى الكاذب يزاول كذبه على الناس ، لكن لا يحب مَنْ يكذب عليه ؟
أَلاَ ترى شاهد الزور ينقذ غيره بشهادته ، ومع ذلك يسقط من نظره ويحتقره ، حتى إن أهل الحكمة ليقولون : إن شاهد الزور ترتفع رأسك على الخصم بشهادته ، وتدوس قدمك على كرامته ، ومَنْ جعلك موضعاً للنقيصة فقد سقطت من نظره ، وإنْ أعنْتَه على أمره .
إذن : فالأخلاق مقاييسها واحدة ، فقيسوا محمداً بأخلاقه ، لا بالدين والرسالة التي جاء بها ، انظروا إلى خُلقه فيكم ، ولن يستطيع واحد منكم أنْ يتهمه في خُلقه بشيء ، وما دام لا يُتَّهم في خُلقه فلا يُتهم كذلك في عقله ؛ لأن العقل هو ميزان الخُلق وأساسه .
لذلك يقول ربه - عَزَّ وَجَلَّ - في حقِّه : { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ
تفسير الشعراوي — صفحة 10091
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٩١