إذن : من أهوائهم أنْ تتهدّم السماء ، ولو حتى على رؤوسهم ، وأي فساد بعد هذا ، وهكذا لو اتبعتَ أهواءهم لفسدَتْ السماوات والأرض ، ليس هذا وفقط بل { وَمَن فِيهِنَّ . . } [ المؤمنون : 71 ] حيث سيتعدّى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود .
لذلك يقيد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه الأهواء في قوله : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به » لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى } [ النجم : 3 - 4 ] .
وقد توقف بعض المستشرقين مُعترِضاً على هذه الآية { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } [ النجم : 3 ] يقولون : يعني كلامه كله صحيح ، فلماذا يُعدِّل له ربه بعض الأحكام ؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدّل حين نطق به كان ينطق عن هوى .
ولو فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض ، فالهوَى أن تعرف الحق ، لكن هواك يصرفك عنه ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يكُنْ يعرف في هذه المسائل حُكْماً وانصرف عنه ، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ينزل فيه من الله شيء ، ثم نزل الحكم من الله ليُعدِّل اجتهاد رسوله .
إذن : لم يكُنْ لرسول الله هَوَىً ينطق بمقتضاه ، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله ، وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صِدْقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأمانته في البلاغ عن ربه ، وإلاَّ فلم يكُنْ أحد ليعلم هذا التعديل ، لو أخفاه رسول الله تعصّباً لنفسه ، أو لدفْع الخطأ عنه .
تفسير الشعراوي — صفحة 10094
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٩٤