إذن : فالمسائل لا تسير على هَوَى المخلوق ، إنما على مرادات الخالق ؛ لأن الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون ، وكلُّ صانع يغَارُ على صَنْعته ، وهذا مُشَاهد حتى في صنعة البشر ، ولك أنْ تتصوّر ماذا يحدث لو أفسدتَ على صانعٍ ما صنعَه .
وعدالة الأشياء أن تسير على وَفْق مرادات الصانع ، لا هوى المصنوع ؛ لأن الأهواء تملكها الأغيار ، فالإنسان لو سار في حركة حياته على وَفْق هواه لأخذ مَا ليس له ، ولَقبل الرشوة ، ومال إلى الفِسْق والانحراف ؛ لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر العاقبة والمحصلة النهائية ، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوته ، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها فيما بعد .
لذلك يقول الحق سبحانه : { وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ . . } [ المؤمنون : 71 ] ولك أن تقول : نعم ، اتباع الأهواء يُفسِد الأرض ، ويُفسِد حركة الحياة فيها ، لكن كيف يُفسِد السماء ؟ وهل لأحد قدرة عليها ؟
ونقول : ألم يكُنْ من أمنيات هؤلاء : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً . . } [ الإسراء : 90 - 92 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 10093
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٩٣