فسجودك لله وتعفير وجهك له سبحانه يحميك من السجود لغيره ، ولولا سجودك لله لَسجدت لكل مَنْ هو أقوى منك ، فعليك - إذن - أن تعتز بعبوديتك لله ؛ لأنها تحميك من العبودية لغيرك من البشر ، وحتى لا يقول لك شخص أنت عبد ، نعم أنا عبد لكن لستُ عبداً لك ، فعبد غيرك حُرٌّ مثلك .
وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً في هذه المسألة في قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } [ الزمر : 29 ] فهل يستوي عبد لعدة أسياد يتجاذبونه في وقت واحد ، وهم مع ذلك مختلفون بعضهم مع بعض ، وعبد سَلَمَاً لسيد واحد ؟
وهكذا ، نحن جميعاً عبيد لله - عَزَّ وَجَلَّ - حين نخضع لا نخضع إلا له سبحانه ، فلا أخضع لك ولا تخضع أنت لي ؛ لذلك يقولون « اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم » لأنه أمر من أعلى ، من السماء ، لا دَخْلَ لأحد فيه .
لذلك ؛ فالعبودية تُكره حين تكون عبوديةً للبشر ، لأن عبودية البشر للبشر يأخذ السيد خير عبده ، أما العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده .
والشاعر يقول :
حَسْبُ نفسي عِزاً بأنِّي عَبْدٌ . . . يحتفي بي بلاَ مواعيدَ رَبُّ
هُوَ في قُدْسِه الأعزِّ ولكِنْ . . . أنا أَلْقَى متى وأيْنَ أُحِبُّ
ولك أنْ تقارن بين مقابلة عظيم من عظماء الدنيا ، ومقابلة ربك عَزَّ وَجَلَّ . فإنْ أردتَ الدخولَ على أحد هؤلاء لا بُدَّ أن تطلب المقابلة ،
تفسير الشعراوي — صفحة 9677
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٦٧٧