تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10053

مساهمون:

ص١٠٠٥٣
وساعةَ تسمع كلمة الإيواء تفهم أن شخصاً اضطر إلى مكان يلجأ إليه ويأوي إليه ، وكذلك كانت مريمُ مضطرة تحتاج إلى مكان يحتويها وهي مضطهدة من قومها . ولا بُدَّ في مكان الإيواء هذا أنْ تتوفر فيه مُقوِّمات الحياة ، خاصة لمثل مريم التي تستعد لاستقبال وليدها ، ومقومات الحياة : هواء وماء وطعام . فانظر كيف أعدَّ الحق - سبحانه وتعالى - لمريم مكان الإيواء : { وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ . . } [ المؤمنون : 50 ] وهي المكان العالي عن الأرض المنخفض عن الجبل ، فهو معتدل الجو ؛ لأنه بين الحرارة في الأرض المستوية والبرودة في أعلى الجبل . { ذَاتِ قَرَارٍ . . } [ المؤمنون : 50 ] يعني : توفرتْ لها أسباب الاستقرار من ماء وطعام ، فالماء يأتيها من أعلى الجبال ويمرُّ عليها ماءً معيناً ، يعني : تراه بعينك ، والطعام يأتيها من ثمار النخلة التي نزلت يجوارها . ومعلوم أن الربوة هي أنسب الأماكن حيث يمر عليها الماء من أعلى ، ولا يتبقى فيها مياه جوفية تضرُّ بمزروعاتها ؛ لأنها تتصرف في الأرض المنخفضة عنها . لذلك ضرب لنا الحق - تبارك وتعالى - المثل للأرض الخصبة التي تؤتي المحصول الوافر ، فقال : { وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ . . } [ البقرة : 265 ] . إذن : اختار الله تعالى لمريم القرار الذي تتوفر فيه مقومات الحياة على أعلى مستوى بحيث لا تحتاج أن تنتقل منه إلى غيره . وبعد ذلك يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن قضية عامة بعد أن تكلَّم عن القرار ومُقوِّمات الحياة ، وهي الطعام والشراب والهواء ،