من قومها وتُطارد ، بل وتستحي هي من الناس وتتحاشى أن يراها أحد ، ألا ترى قوله تعالى عن ابنة شعيب : { فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء . . } [ القصص : 25 ] على استحياء ، لأنها ذهبت لاستدعاء فتىً غريب عنها ، فما بالك بمريم حين يراها القوم حاملاً وليس لها زوج ؟ إنها مسألة أصعب ما تكون على المرأة .
لذلك لما سئل الإمام محمد عبده وهو في باريس : بأيِّ وجه قابلتْ عائشة قومها بعد حادثة الإفك ؟ فألهمه الله الجواب وهداه إلى الصواب ، فقال : بالوجه الذي قابلتْ به مريمُ قومَها وقد جاءتْ تحمل ولدها ؛ ذلك لأنهم أرادوا أنْ يأخذوها سُبة ومطعناً في جبين الإسلام .
ولما كانت مريم بهذه الصفة تولاها الله ودافع عنها ، فهذا يوسف النجار وكان خطيب مريم حين يرى مسألة حَمْلها ، وهو أَغْير الناس عليها بدل أنْ يتشكك فيها ويتهمها يتحوّل قلبه عليها بالعطف ، كما قال تعالى : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ . . } [ الأنفال : 24 ] .
فإذا به يخدمها ويحنُو عليها ؛ لأن الله أنزل المسألة على قلبه منزل الرضا ، وكل ما قاله في مجادلة مريم وفي الاستفسار عَمَّا حدث بطريقة مهذبة : يا مريمُ أرأيتِ شجرة بدون بذرة ؟ فضحكتْ مريم وقد فهمت ما يريد وقالت : نعم الشجرة التي أنبتت أول بذرة إنه كلام أهل الإيمان والفهم عن الله .
لذلك آواها الله وولدها { وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } [ المؤمنون : 50 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 10052
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٥٢