إذن : لا تَقِسْ مستوى التحضُّر بالماديات فحسب ، إنما خُذْ في حُسبانك كُلَّ النواحي الأخرى ، فمَنْ أتقن النواحي المادية الدنيوية أخذها وترف بها في الدينا ، أمّا الصلاح الديني والخُلقي والقِيَمي فهو سبيل لترف الدنيا ونعيم الآخرة .
وهكذا تشمل الآية : { يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون } [ الأنبياء : 105 ] الصلاح المادي الدنيوي ، والصلاح المعنوي الأخروي ، فإنْ أخذتَ الصلاح مُطلقاً بلا إيمان ، فإنك ستجد ثمرته إلى حين ، ثم ينقلب عليك ، فأين أصحاب الحضارات القديمة من عاد وثمود والفراعنة ؟
إن كُلَّ هذه الحضارات مع ما وصلتْ إليه ما أمكنها أن تحتفظ لنفسها بالدوام ، فزالتْ وبادتْ .
يقول تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } [ الفجر : 6 - 10 ] .
إنها حضارات راقية دُفِنَتْ تحت أطباق التراب ، لا نعرف حتى أماكنها . أمّا إنْ أخذت الصلاح المعنوي ، الصلاح المنهجي من الله عَزَّ وَجَلَّ فسوف تحوز به الدنيا والآخرة ؛ ذلك لأن حركة الحياة تحتاج إلى منهج يُنظِّمها : افعل كذا ولا تفعل كذا . وهذا لا يقوم به البشر أمّا ربُّ البشر فهو الذي يعلم ما يُصلحهم ويُشرِّع لهم ما يُسعدهم .
إن منهج الله وحده هو الذي يأمرنا وينهانا ، ويخبرنا بالحلال والحرام ، وعلينا نحن التنفيذ ، وعلى الحكام وأولياء الأمر الممسكين بميزان العدل أنْ يراقبوا مسألة التنفيذ هذه ، فيُولُّوا مَنْ يصلُح للمهمة ، ويقوم بها على أكمل وجه ، وإلا فسد حال المجتمع ، الحاكم
تفسير الشعراوي — صفحة 9668
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٦٦٨