تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9667

مساهمون:

ص٩٦٦٧
فعن مَنْ ورثوا هذه الأرض ؟ الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الخَلْق أعدَّ الجنة لِتسعَ كلَّ بني آدم إنْ آمنوا ، وأعدَّ النار لتسع كُلَّ بني آدم إنْ كفروا ، فليس في المسألة زحام على أيِّ حال . فإذا ما دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ ، ودخل أهلُ النارِ النارَ ظلَّتْ أماكن أهل النار في الجنة خالية فيُورثها الله لأهل الجنة ويُقسِّمها بينهم ، ويُفسح لهم أماكنهم التي حُرِم منها أهل الكفر . أو نقول : الأرض يُراد بها أرض الدنيا . ويكون المعنى أن الله يُمكِّن الصالح من الأرض ، الصالح الذي يَعْمُرها ولو كان كافراً ؛ لأن الله تعالى لا يحرم الإنسان ثمار عمله ، حتى وإنْ كان كافراً ، يقول تعالى { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ } [ الشورى : 20 ] . لكن عمارة الكفار للأرض وتمكينهم للحضارة سَرْعان ما تنزل بهم النكبات ، وتنقلب عليهم حضارتهم ، وها نحن نرى نكبات الأمم المرتقية والمتقدمة وما تعانيه من أمراض اجتماعية مستعصية ، فليست عمارة الأرض اقتصاداً وطعاماً وشراباً وترفاً . ففي السويد - مثلاً - وهي من أعلى دول العالم دَخْلاً ومع ذلك بها أعلى نسبة انتحار ، وأعلى نسبة شذوذ ، وهذه هي المعيشة الضَّنْك التي تحدَّث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى } [ طه : 124 ] فالضَّنْك لا يعني فقط الفقر والحاجة ، إنما له صور أخرى كثيرة .
تفسير الشعراوي — صفحة 9667 | محمد متولي الشعراوي