أما في الخلق الثاني فأنت فقط تستقبل النعيم من الله دون أَخْذ بالأسباب التي تعرفها في الدنيا ؛ لأن الآخرة لا تقوم بالأسباب إنما بالمسبِّب سبحانه ، وحين ترى في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطر على قلب بشر تعلم أن فِعْل ربك لك أعظم من فِعْلك لنفسك .
ومهما ارتقتْ أسباب الترف في الدنيا ، ومهما تفنَّن الخَلْق في أسباب الراحة والخدمة الراقية ، فقصارى ما عندهم أن تضغط على زِرٍّ يفتح لك الباب ، أو يُحضِر لك الطعام أو القهوة ، لكن أتحدَّى العالم بما لدية من تقدُّم وتكنولوجيا أنْ يُقدم لي ما يخطر ببالي من طعام أو شراب ، فأراه أمامي دون أنْ أتكلم ؛ لأن هذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله عَزَّ وَجَلَّ .
فقوله : { كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ . . } [ الأنبياء : 103 ] فالمعنى ليستْ مجرد إعادته كما كان ، إنما نعيده على أَرْقى وأفضل مما كان بحيث يصل بك النعيم أنْ يخطرَ الشئ ببالك فتجده بين يديك ، بل إنَّ المؤمن في الجنة يتناول الصنف من الفاكهة فيقول : لقد أكلْتُ مثل هذا من قبل فيُقال له : ليس كذلك بل هو أفضل مما أكلْتَ ، وأهنأ مما تذوقتَ . فلو تناولتَ مثلاً تفاح الدنيا تراه خاضعاً لنوعية التُّرْبة والماء والجو المحيط به والمبيدات التي لا يستغني عنها الزرع هذه الأيام . . . إلخ . أمّا تفاح الآخرة فهو شيء آخر تماماً ، إنه صَنْعة ربانية وإعداد إلهيّ .
وكأن الحق سبحانه يلفت عباده إلى أن عنايته بهم أفضل من
تفسير الشعراوي — صفحة 9664
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٦٦٤