تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9934

مساهمون:

ص٩٩٣٤
ليباركوه ، فكانت الدماء تسيل عندها وتتناثر عليها ، فيحطّ عليها الذباب ، ويأخذ من هذه الدماء على أَرْجُله النحيفة هذه أو على أجنحته أو على خرطومه ، فتحدَّاهم أن يعيدوا من الذباب ما أخذه ، وهذه مسألة أسهل من مسألة الخَلْق . ولك أنْ تُجرِّب أنت هذه العملية ، إذا وقع ذباب على العسل الذي أمامك ، فلا بُدَّ أن يأخذ منه شيئاً ولو كان ضئيلاً لا يُدرَك ولا يُوزَن ولا تكاد تراه ، لكن أتستطيع أنْ تُمسِك الذبابة وتردّ ما أخذتْ منك ؟ لذلك يقول تعالى بعدها : { ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] يعني : كلاهما ضعيف ، فالذباب في ذاته ضعيف وهم كذلك ضعفاء ، بدليل أنهم لن يقدروا على هذه المسألة ، لكن هناك ضعيف يدَّعي القوة ، وضعيف قوته في أنه مُقِرٌّ بضعفه ، فالذباب وإنْ كان ضعيفاً إلا أن الله تعالى قال فيه : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا . . } [ البقرة : 26 ] يعني : ما فوقها في الصِّغر ، ليس المراد ما فوقها في الكبر كالعصفور مثلاً . ثم يقول الحق سبحانه : { مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ . . } . يعني : هؤلاء الكفار الذين عبدوا من دون الله آلهة لا تستطيع أن تخلق ذباباً ، ولا تستطيع حتى أنْ تردَّ من الذباب ما أخذه ، هؤلاء ما عرفوا لله قدره ، ولو عرفوا قَدْر الله ما عبدوا غيره . والقَدْر : يعني مقدار الشيء ، وقلنا : إن مقادير الأشياء تختلف