تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9936

مساهمون:

ص٩٩٣٦
وما عرفوا قَدْره ، ولو عرفوا ما عبدوا غيره ، ولا عبدوا أحداً معه من هذه الآلهة التي لا تخلق ذباباً ، ولا حتى تسترد ما أخذه منهم الذباب ، فكيف يُسَوُّون هؤلاء بالله ويقارنونهم به عَزَّ وَجَلَّ ؟ إنهم لو عرفوا لله تعالى قَدْره لاستحيوا من ذلك كله . ثم تُذيَّل الآية بقوله تعالى : { إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 74 ] فما مناسبة هاتين الصفتين للسياق الذي نحن بصدده ؟ قالوا : لأن الحق - سبحانه وتعالى - تكلَّم في المثَل السابق عَمَّنْ انصرفوا عن عبادته سبحانه إلى عبادة الأصنام وقال : { ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] فقال في مقابل هذا الضعف إن الله لقويُّ ، قوة عن العابد ؛ لأنه ليس في حاجة إلى عبادته ، وقوة عن المعبود لأنه لو شاء حَطَّمه ، وما دُمْتم انصرفتم عن الله وعبدتم غيره ، فهذا فيه مُضارَّة ، وكأن هناك معركة ، فإنْ كان كذلك فالله عزيز لا يغالب . والآية : { مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ . . } [ الحج : 74 ] وردتْ في عدة مواضع في كتاب الله ، منها : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ . . } [ الأنعام : 91 ] فلم يعرفوا لله تعالى قَدْره لأنهم اتهموه ، وله سبحانه كمال العدل ، فكيف يُكلف عباده بعبادته ، ولا يبلغهم برسول ؟ وهو سبحانه القائل : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] . فحين يقولون : { مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ . . } [ الأنعام : 91 ] كأنهم يصِفُون الحق سبحانه بأنه يُعذِّب الناس دون أنْ يُبلِّغهم بشيء . ويردّ عليهم في هذه المسألة : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى . . } [ الأنعام : 91 ] .