لطيفاً دقيقاً كان خطره أعظم ، أَلاَ ترى الميكروب كيف يصيب الإنسان وكيف لا نشعر به ولا نجد له ألماً ؟ ذلك لأنه دقيق لطيف ، وكذلك له مدخل لطيف لا تشعر به ؛ لأنه من الصِّغَر بحيث لا تراه بالعين المجردة .
والبعوضة كم هي هيِّنة صغيرة ؛ لذلك تُؤلمك لدغتها بخرطومها الدقيق الذي لا تكاد تراه ، وكلما دَقَّ الشيء احتاج إلى احتياط أكثر لتحمي نفسك من خطره ، فمثلاً إنْ أردتَ بناء بيت في الخلاء أو منطقة نائية ، فإنك ستضطر أنْ تضع حديداً على الشبابيك يحميك من الحيوانات المفترسة كالذئاب مثلاً ، ثم تضع شبكة من السلك لتحميك من الفئران ، فإن أردْتَ أن تحمي نفسك من الذباب والبعوض احتجت إلى سِلْك أدق ، وهكذا كلما صَغُر الشيء ولطف احتاج إلى احتياط أكثر .
فاللطيف هو الذي يدخل في الأشياء بلطف ؛ لذلك يقولون : فلان لطيف المدخل يعني : يعني : يدخل لكل إنسان بما يناسبه ، ويعرف لكل إنسان نقطة ضَعْف يدخل إليه منها ، كأن معه ( طفاشة ) للرجال ، يستطيع أن يفتح بها أي شخصية .
لكن ، ما علاقة قوله تعالى { إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [ الحج : 63 ] بعد قوله : { فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً . . } [ الحج : 63 ] ؟ قالوا : لأن عملية الإنبات تقوم على مَسَامّ وشعيرات دقيقة تخرج من البذرة بعد الإنبات ، وتمتصّ الغذاء من التربة ، هذه الشعيرات الجذرية تحتاج إلى لُطْف ، وامتصاص الغذاء المناسب لكل نوع يحتاج إلى خبرة ،
تفسير الشعراوي — صفحة 9911
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩١١