وقوله تعالى : { والفلك تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ . . } [ الحج : 65 ] الفُلْك : السفن ، تُطلق على المفرد وعلى الجمع ، تجري في البحر بأمره تعالى ، فتسير السفن بالريح حيث أمرها الله ، كما قال سبحانه : { وَتَصْرِيفِ الرياح . . } [ البقرة : 164 ] وهذه لا يملكها ولا يقدر عليها إلا الله ، وقال في آية أخرى : { إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ . . } [ الشورى : 33 ] .
وتأمَّل دِقَّة الأداء القرآني من الله الذي يعلم ما كان ، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ، فلقائل الآن أنْ يقول : لم نَعُد في حاجة إلى الريح تُسيِّر السفن ، أو توجهها ؛ لأنها أصبحت تسير الآن بآلات ومحركات ، نعم السفن الآن تسير بالمحركات ، لكن للريح معنى أوسع من ذلك ، فالريح ليست هذه القوة الذاتية التي تدفع السفن على صفحة الماء ، إنما الريح تعني القوة في ذاتها ، أياً كانت ريحاً أم بُخَاراً أم كهرباء أم ذرة . . إلخ .
بدليل قوله تعالى : { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . . } [ الأنفال : 46 ] يعني : تذهب قوتكم أيًا كانت هذه القوة حتى الصياد الذي يركب البحر بقارب صغير يُسيِّره بالمجاديف بقوة يده وعضلاته هي أيضاً قوة ، لا تخرج عن هذا المعنى .
وهكذا يظل معنى الآية صالحاً لكل زمان ولكل مكان ، وإلى أن تقوم الساعة .
والريح إنْ أُفردَتْ دلَّتْ على حدوث شَرٍّ وضرر ، كما في قوله تعالى : { وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } [ الذاريات : 41 ] .
وقوله : { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . . } [ الأنفال : 46 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 9914
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩١٤