مُخْضَرَّةً . . } [ الحج : 63 ] يعني : تصير بعد وقت قصير خضراء زاهية . دون أن يذكر شيئاً عن تدخُّل الإنسان في هذه العملية ، فالإنسان لم يحرث ولم يبذر ولم يَرْو ، إنما المسألة كلها بقدرة الله ، لكن من أين أتت البذور التي كوَّنَتْ هذا النبات ؟ ومَنْ بذرها ووزَّعها ؟ البُذور كانت موجودة في التربة حيَّة كامنة لم يُصِبْها شيء ، وإنْ مَرَّ عليها الزمن ؛ لأن الله تعالى يحفظها إلى أنْ تجد الماء وتتوفَّر لها عوامل الإنبات فتنبت ؛ لذلك نُسمِّي هذا النبات ( العِذْى ) ؛ لأنه خرج بقدرة الله لا دَخْل لأحد فيه .
وتولَّتْ الرياح نَقْل هذه البذور من مكان لآخر ، كما قال تعالى : { وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ . . } [ الحجر : 22 ] ولو سلسلْتَ هذه البذرة ستجدها من شجرة إلى شجرة حتى تصل إلى شجرة أُمٍّ ، خلقها الخالق سبحانه لا شجرةَ قبلها ولا بذرة . لذلك يُرْوى أن يوسف النجار وكان يرعى السيدة مريم عليها السلام ويشرف عليها ، ويقال كان خطيبها - لما رآها حاملاً وليس لها زوج سألها بأدب : يا مريم ، أتوجد شجرة بلا بذرة ؟ قالت : نعم الشجرة التي أنبتتْ أول بذرة .
ثم يقول سبحانه : { إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [ الحج : 63 ] اللطْف هو دِقَّة التناول للأشياء ، فمثلاً حين تريد أن تدخل خيطاً في إبرة ، تجد الخيط لا ينفذ من ثقبها لأول مرة ، فتحاول أنْ تُرفِّق من طرف الخيط وتبرمه حتى يدِقّ فينفذ من الثقب ، فالخيط بعد أنْ كان غليظاً أصبح لطيفاً دقيقاً .
ويقولون : الشيء كلما لَطُف عَنُف ، في حين يظن البعض أن الشيء الكبير هو القوي ، لكن هذا غير صحيح ، فكلما كان الشيء
تفسير الشعراوي — صفحة 9910
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩١٠