ثم يقول الحق سبحانه : { ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ . . } .
{ ذلك . . } [ الحج : 61 ] يعني ما قُلْته لك سابقاً له دليل ، فما هو ؟ أن الله يأخذ من القوي ويعطي للضعيف ، ويأخذ من الطويل ويعطي للقصير ، فالمسألة ليست ثابتة ( أو مكانيكا ) وإنما خلقها الله بقدر . والليل والنهار هما ظرفا الأحداث التي تفعلونها ، والحق سبحانه { يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل . . } [ الحج : 61 ] .
يولج الليل يعني : يُدخِل الليل على النهار ، فيأخذ منه جزءاً جزءاً فيُطوِّل الليل ويُقصِّر النهار ، ثم يُدخِل النهار على الليل فيأخذ منه جزءاً جزءاً ، فيُطوِّل النهار ويُقصِّر الليل ؛ لذلك نراهما لا يتساويان ، فمرة يطول الليل في الشتاء مثلاً ، ويقصر النهار ، ومرة يطول النهار في الصيف ، ويقصر الليل . فزيادة أحدهما ونَقْص الآخر أمر مستمر ، وأغيار متداولة بينهما .
وإذا كانت الأغيار في ظرف الأحداث ، فلا بُدَّ أن تتغير الأحداث نفسها بالتالي ، فعندما يتسع الظرف يتسع كذلك الخير فيه ، فمثلاً عندنا في المكاييل : الكَيْلة والقدح والوَيْبة وعندنا الأردب ، وكل منهما يسَعُ من المحتوى على قدر سعته . وهكذا كما نزيد أن ننقص في ظرف الأحداث نزيد وننقص في الأحداث نفسها .
ثم تُذيَّل الآية بقوله سبحانه : { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [ الحج : 61 ] سميعٌ لما يقال ، بصيرٌ بما يفعل ، فالقول يقابله الفعل ، وكلاهما عمل ، والبعض يظن أن العمل شيء والقول شيء آخر ، لا ؛ لأن
تفسير الشعراوي — صفحة 9906
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٠٦