تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9905

مساهمون:

ص٩٩٠٥
إذن : مسألة المثلية هنا عقبةٌ تحدُّ من ثورة الغضب ، وتفتح باباً للارتقاءات الإيمانية ، فإنْ كان الحق سبحانه سمح لك أن تُنفِّس عن نفسك فقال : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا . . } [ الشورى : 40 ] فإنه يقول لك : لا تنسَ العفو والتسامح { والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] . لذلك ، فالآية التي معنا تلفتنا لَفْتةً إيمانية : { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ . . } [ الحج : 60 ] واحدة بواحدة { ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ . . } [ الحج : 60 ] يعني : زاده بعد أنْ ردَّ العدوان بمثله وظلمه واعتدى عليه { لَيَنصُرَنَّهُ الله . . } [ الحج : 60 ] ينصره على المعتدي الذي لم يرتَض حكم الله في رَدِّ العقوبة بمثلها . وتلحظ في قوله تعالى مخايل النصر بقوله { إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } [ الحج : 60 ] مع أن الصفة التي تناسب النُّصْرة تحتاج قوة وتحتاج عزة ، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ليلفت نظر مَنْ أراد أنْ يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية : اغفر وارحم واعْفُ ؛ لأن ربك عفو غفور ، فاختار الصفة التي تُحنِّن قلب المؤمن على أخيه المؤمن . ثم أليس لك ذنب مع الله ؟ { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ . . } [ النور : 22 ] فما دُمْت تحب أن يغفر الله لك فاغفر لعباده ، وحين تغفر لمَنْ يستحق العقوبة تأتي النتيجة كما قال ربك عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } [ فصلت : 34 ] . فالحق سبحانه يريد أن يشيع بيننا الصفاء النفسي والتلاحم الإيماني ، فأعطاك حقَّ رَدِّ العقوبة بمثلها لتنفِّس عن نفسك الغيظ ، ثم دعاك إلى العفو والمغفرة .
تفسير الشعراوي — صفحة 9905 | محمد متولي الشعراوي