تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9904

مساهمون:

ص٩٩٠٤
ويتفرع عن هذه المسألة مسألة ردِّ العقوبة إذا اعتُدِي عليك : { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله . . } [ الحج : 60 ] . الحق - سبحانه وتعالى - هو خالق النفس البشرية ، وهو أعلم بنوازعها وخَلَجاتها ؛ لذلك أباح لك إن اعتدى عليك أنْ تردَّ الاعتداء بمثله ، حتى لا يختمر الغضب في نفسك ، وقد ينتج عنه ما هو أشد وأبلغ في ردِّ العقوبة ، يبيح لك الرد بالمثل لتنتهي المسألة عند هذا الحد ولا تتفاقم ، فمَنْ ضربك ضربة فلك أنْ تُنفِّس عن نفسك وتضربه مثلها ، لك ذلك ، لكن تذكرَّ المثلية هنا ، لا بد أن تكون تامة ، كما قال سبحانه في موضع آخر : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ . . } [ النحل : 126 ] . وهل تستطيع أن تضبط هذه المثلية فتردّ الضربة بمثلها ؟ وهل قوتك كقوته ، وحِدَّة انفعالك كحِدَّة انفعاله ؟ ولو حدث وزدْتَ في ردِّك نتيجة غضب ، ماذا تفعل ؟ أتسمح له أنْ يردَّ عليك هذه الزيادة ؟ أم تكون أنت ظالماً معتدياً ؟ إذن : ماذا يُلجئك لمثل هذه المتاهة ، ولك في التسامح سِعَة ، وفي قول الله بعدها : { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } [ النحل : 126 ] مَخْرج من هذا الضيق ؟ وسبق أنْ حكينا قصة المرابي اليهودي الذي قال لطالب الدَّيْن : إن تأخرت في السداد أشترط عليك أنْ آخذ رطلاً من لحمك . وجاء وقت السداد ولم يُوف المدين ، فرفعه الدائن إلى القاضي وأخبره بما اشترطه عليه ، فقال القاضي : نعم من حقك أن تأخذ رطلاً من لحمه لكن بضربة واحدة بالسكين تأخذ رطلاً ، إنْ زاد أو نقص أخذناه منك .