تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9903

مساهمون:

ص٩٩٠٣
لا يقربها أبداً ، وهي لا تمكِّنه من نفسها إذا ما حملَتْ ، في حين أنك تبالغ في هذه الغريزة ، وتنطلق فيها انطلاقاً يُخرِجها عن هدفها والحكمة منها ؟ على مثل هذا أن يخزى أن يقول مثل هذه المقولة ، وألاَّ يظلم البهائم ، فمن الناس مَنْ هم أَدنْى من البهائم بكثير . وما يقال عن غريزة الجنس في الحيوان يقال كذلك في الطعام والشراب . إذن : الخالق سبحانه خلق الغرائز فيك ، ولم يكبتها ، وجعل لها منافذ شرعية لتؤدي مهمتها في حياتك ؛ لذلك أحاطها بسياج من التكليف يُنظِّمها ويحكمها حتى لا تشرد بك ، فقال مثلاً في غريزة الطعام والشراب : { يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا . . } [ الأعراف : 31 ] . وقال في غريزة حب الاستطلاع : { وَلاَ تَجَسَّسُواْ . . } [ الحجرات : 12 ] وهكذا في كل غرائزك تجد لها حدوداً يجب عليك ألاَّ تتعداها . لذلك قلنا في صفات الإيمان وفي صفات الكفر أن الله تعالى يصف المؤمنين بأنهم { أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ . . } [ الفتح : 29 ] لأنهم يضعون كل غريزة في موضعها فالشدة مع الأعداء ، والرحمة مع إخوانهم المؤمنين ، ويقف عند هذه الحدود لا يقلب مقاييسها ، ويلتزم بقول الحق سبحانه وتعالى { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين . . } [ المائدة : 54 ] . وكأن الخالق عَزَّ وَجَلَّ يُسوِّينا تسوية إيمانية ، فالمؤمن لم يُخلَق عزيزاً ولا ذليلاً ، إنما الموقف هو الذي يضعه في مكانه المناسب ، فهو عزيز شامخ مع الكفار ، وذليل مُنكسِر متواضع مع المؤمنين .