تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9892

مساهمون:

ص٩٨٩٢
دنيا الأغيار ، وتقلّب الأحوال حال بعد حال ، فالدنيا تتقلَّب من فقر إلى غنى ، ومن صحة إلى مرض ، ومن صِغَر إلى كِبَر ، ومن أَمْن إلى خوف ، وتتحول من صيف إلى شتاء ، ومن حر إلى برد ، ومن ليل إلى نهار . . وهكذا . أما في الآخرة فقد انتقلتم مِن عالم الأغيار الذي يعيش بالأسباب إلى عالم آخر يعيش مع المسبِّب سبحانه ، وإلى يوم آخر لا يومَ بعده ، كأنه عَقِم أن يكون له عَقِب من بعده أو مثيل له ، كما لو حضرتَ حفلاً مثلاً قد استكمل ألوان الكمال والنعم ، فتقول : هذا حدث لا يتكرر يعني : عقيم لا يأتي بعده مثله . وإذا كنتَ في الدنيا تعيش بالأسباب التي خلقها الله لك ، فأنت في الآخرة ستجلس مستريحاً تتمتع بالمسبِّب عَزَّ وجَلَّ ، ويكفي أن يخطر الشيء ببالك ، فتراه بين يديك ؛ ولأن القيامة لا أغيارَ فيها ولا تقلّب ، فسيظل الجميع كلٌّ على حاله في سِنٍّ واحدة ، لا يشيب ولا يهرم ، ولا يمرض ولا يموت . ألاَ ترى إلى قوله تعالى في نساء الجنة : { إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لأَصْحَابِ اليمين } [ الواقعة : 35 - 38 ] . والكاره لزوجته في الدنيا لأنها كانت تتعبه نقول له : لا تقِسْ زوجة الدنيا بزوجة الآخرة ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول : { لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } [ النساء : 57 ] . أي : مطهرة من كل ما كنتَ تكرهه فيها في الدنيا شكلاً وطَبْعاً وخُلقاً ، فأنت الآن في الآخرة التي لا يعكر نعيمها كَدَر .